الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

364

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وفي طريق أخرى عنه : إن جعفرا يطير مع جبريل وميكائيل له جناحان ، عوضه اللّه من يديه « 1 » . وإسناد هذا جيد . فقد عوضه اللّه تعالى عن قطع يديه في هذه الوقعة ، حيث أخذ اللواء بيمينه فقطعت ثم أخذه بشماله فقطعت ثم احتضنه فقتل . قال السهيلي : له جناحان ، ليسا كما يسبق إلى الوهم كجناحى الطائر وريشه ، لأن الصورة الآدمية أشرف الصور وأكملها ، فالمراد بالجناحين صفة ملكية وقوة روحانية أعطيها جعفر . وقد عبر القرآن عن العضد بالجناح توسعا في قوله تعالى : وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ « 2 » . وقال العلماء في أجنحة الملائكة إنها صفات ملكية لا تفهم إلا بالمعاينة ، فقد ثبت أن لجبريل ستمائة جناح ، ولا يعهد للطير ثلاثة أجنحة فضلا عن أكثر من ذلك ، وإذا لم يثبت خبر في بيان كيفيتها فنؤمن بها من غير بحث عن حقيقتها . انتهى . قال الحافظ ابن حجر : وهذا الذي جزم به في مقام المنع ، والذي حكاه عن العلماء ليس صريحا في الدلالة لما ادعاه . ولا مانع من الحمل على الظاهر ، إلا من جهة ما ذكره من المعهود ، وهو قياس الغائب على الشاهد وهو ضعيف . وكون الصورة البشرية أشرف الصور لا يمنع من حمل الخبر على ظاهره ، لأن الصورة باقية . وقد روى البيهقي في الدلائل من مرسل عاصم ابن عمر بن قتادة : أن جناحي جعفر من ياقوت . وجاء في جناحي جبريل أنهما من لؤلؤ . أخرجه ابن منده في ترجمة ورقة . وذكر موسى بن عقبة في المغازي ، أن يعلى بن أمية قدم بخبر أهل مؤتة ، فقال له رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « إن شئت فأخبرني وإن شئت أخبرتك » قال : أخبرني ، فأخبره خبرهم فقال : والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا لم تذكره .

--> ( 1 ) انظر ما قبله . ( 2 ) سورة طه : 22 .